الشيخ محمد النهاوندي

56

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ولا التفات إليه ، كالطّعن باللّسان ، والإساءة بالقول ، والسّعي في الإضلال . وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يتظاهروا على حربكم ، لا يقاوموكم ، بل يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ويلجئهم الخوف من بأسكم إلى الفرار ، من غير أن يصيبوكم بقتل ، أو جرج ، أو أسر ثُمَّ بعد انهزامهم لا يُنْصَرُونَ من جهة أحد ، ولا يتقوّون بمدد ، ولا يتوقّع لهم شوكة ، ولا ينتظر لهم قوّة . وفيه تثبيت لمن آمن منهم وبشارة بأنّهم لا يفارقون الخذلان ، ولا ينهضون بجناح ، ولا ترجع إليهم سلطة ونجاح ، كما كان من حال بني قريظة ، والنضير ، وقينقاع ، ويهود خيبر . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 112 ] ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ ( 112 ) ثمّ أكّد خذلانهم بقوله : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ وأحاطت بهم الذِّلَّةُ والمهانة ، كإحاطة الفسطاط المضروب بأهله أَيْنَ ما ثُقِفُوا وفي أي مكان كانوا ، وإلى أي حال تحوّلوا إِلَّا إذا تمسّكوا بِحَبْلٍ وثيق كائن مِنَ اللَّهِ واعتصموا بدينه القويم ، وكتابه الحكيم وَحَبْلٍ متين مِنَ النَّاسِ وهو ولاية أهل بيت النبيّ صلوات اللّه عليهم ومتابعتهم ، لنصّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله في خبر الثّقلين ، المتّفق على روايته بأنّ كتاب اللّه والعترة حبلان ممدودان ، من تمسّك بهما لن يضلّ أبدا « 1 » . وعن العياشي : عن الصادق عليه السّلام قال : « الحبل من اللّه : كتاب اللّه ، والحبل من النّاس : عليّ بن أبي طالب عليه السّلام » « 2 » . والعجب من مفسّري العامّة أنّهم فسّروا الحبل من النّاس بذمّة المسلمين « 3 » ، ولم يحتملوا إرادة العترة الطّاهرة منه ، مع أنّ دأبهم في التّفسير التّمسّك بأضعف الشّواهد . ثمّ اعلم أنّ في هذه الآيات دلالة ظاهرة على صدق النبيّ صلّى اللّه عليه وآله في دعوى النّبوّة ، لأنّها أخبار صادقة بالمغيّبات ، لوقوع جميع ما أخبر به كما أخبر ، حيث إنّ اليهود لم يقاتلوا المسلمين إلّا انهزموا ، وما أقدموا على محاربة ، ولا طلبوا رئاسة إلّا خذلوا . إن قيل : أهل الكتاب شامل للنّصارى ، مع أنّهم لم يزالوا في شوكة وسلطنة قاهرة إلى عصرنا هذا ، فكيف طابق الخبر المخبر ؟

--> ( 1 ) . مجمع البيان 2 : 805 . ( 2 ) . تفسير العياشي 1 : 336 / 770 ، تفسير الصافي 1 : 343 . ( 3 ) . تفسير أبي السعود 2 : 72 ، تفسير روح البيان 2 : 79 .